جُرِّفَت قبل أسابيع قليلة من أحداث الانقسام الفلسطيني عام 2007م أرضية فسيفساء كنيسة تعود إلى العهد البيزنطي لاستكمال مشروع بناء الجزء الغربي من أبراج المخابرات غرب مدينة غزة دون النظر إلى قيمتها الأثرية والتاريخية، وقد أشرف على العملية جهاز المخابرات الفلسطيني بغزة.

اكتشف فريق وزارة السياحة والآثار في غزة ومدرسة الكتاب المقدس الفرنسية لعلم الآثار أرضية الفسيفساء خلال التنقيب، ومُنِعَت الجرافات من التجريف نظرًا لتبعية الموقع للوزارة، وكان من المقرر إقامة متحف فوقها على مساحة 9 دونمات ونصف، بينما اتفقت الوزارة والمخابرات على منح فريق التنقيب أسبوعين لكشف باقي أجزاء الفسيفساء دون المساس بها، لكن في مساء اليوم نفسه جُرِّف المكان بالآثار.  

لكن لم يكن هذا الانتهاك الأول للموقع، فبعد سيطرة حركة حماس على قطاع غزة وإنشاء حكومة غزة، اتجهت وزارة السياحة والآثار لملف الآثار في غزة، لكن لم تحمِ هي الأخرى الموقع من الانتهاكات، إذ أقيم مركز شرطة فوق الآثار عام 2013 وتم توسعة ملعب ومرافق تتبع لمسجد فوق الموقع، وأُهمِل الجزء الغربي من الآثار.

تاريخ الميناء مُهَدَّد

موقع ميناء أنثيدون التاريخي أو ما يعرف بـ "موقع البلاخية الأثري" بدأ التنقيب فيه عام 1995 في خمسة حقول تنقيب اثار، من خلالها تم اكتشاف اثار تعود للعصر الكنعاني 800 ق.م وتستمر حتى بدايات العصر الإسلامي، عثر فيه على آثار تعود للحقبة الكنعانية واليونانية "الهلنستية" والرومانية والبيزنطية.

وحسب موقع مركز التراث العالمي التابع لليونسكو، أدرجت دولة فلسطين ميناء أنثيدون عام 2012م على اللائحة التمهيدية الفلسطينية لمواقع التراث الثقافي والطبيعي ذات الأهمية العالمية الاستثنائية المحتملة.

أحد الذين أشرفوا على عمليات التنقيب والمتابعة من وزارة السياحة والآثار، كان عالم الآثار أيمن حسونة، الذي يشير إلى أن الميناء دُمِّر خلال الحروب التاريخية المتتالية التي تعرضت لها مدينة غزة، وتمت أعمال التنقيب بالتعاون مع فريق من البعثة الفرنسية للآثار،  و كان شاهد على تدمير أرضية الفسيفساء، إذ حاول مع الفرق منع المخابرات، لكنهم غدروهم في نفس ليلة الاتفاق وجرفوا المكان.



صورة أرضية الفسيفساء التي دمرت من جهاز المخابرات الفلسطينية في غزة

خلال البحث في أرشيف مشاريع الإسكان في وزارة الأشغال العامة والإسكان في عهد السلطة الفلسطينية في غزة، لم يُذكَر أنّ المشروع نفّذته الوزارة إطلاقًا، وتبين أن المشروع  تم من خلال مجلس إسكان يتبع جهاز المخابرات الفلسطيني، وجرت أعمال التجريف دون علمها أو موافقتها، حسب مصدر عمل إشراف دائرة مهمة في الوزارة سابقًا.

علّق حسونة على الانتهاك بأن غزة كانت بتلك الفترة تشهد حالة من الفلتان الأمني، إذ كان يسعى إلى تقديم شكوى لكن جرت أحداث الانقسام الفلسطيني ونُقلت السلطة إلى رام الله، وفي عهد حكومة غزة والإدارة الحالية التابعة لحركة حماس زار الموقع آخر مرة عام 2013م، بعدها مُنع هو وكثير من المختصين في التنقيب والآثار من الاقتراب من الموقع بقرار أمني.

ويقول: "إعادة التنقيب للميناء وإزالة الموقع الأمني من المكان أمر ضروري لكي لا تندثر آثاره كما حصل مع ميناء "ميوماس الروماني" الواقع بمنطقة ميناء غزة الحالي باتجاه الشرق والشمال من محيطه، اندثر هذا الميناء تحت الأبنية السكنية بعد سماح الاحتلال الاسرائيلي بالبناء فوقه في الفترة ما بين عام 1967 و 1993، وشاهدت بنفسي أحجارًا أثرية وأعمدة أثرية في أرض المنازل هناك".


 "صور من وثائق البعثة الفرنسية توضح ميناء ميوماس الروماني وميناء أنثيدون المرتبطان بمدينة غزة القديمة"

الآثار تحت المنشآت

حسب وثيقة من البعثة الفرنسية حصل عليها مُعِدُّ التحقيق، فإنّ أهمّ المواقع وأقدمها موقع "A" الذي فيه سور ضخم من الطوب، اللبِن الطيني يعود للحقبة الكنعانية في القرن الثامن قبل الميلاد، باتجاه جنوب شمال وشرق غرب، بينما ارتفاعه 8 أمتار، ويُتوقَّعُ أنّ المنازل في منطقة الشمالي في مخيم الشاطئ جزء من المدينة القديمة، نتيجة عثورهم على فخاريات قديمة خلال عمليات الحفر في المنطقة.

وعلى نفس امتداد مقابل موقع "A" من شمال، توجد آثار أربع مواقع أثرية أخرى تعود للحقبة الرومانية واليونانية "الهلينستية"، جميع تلك المواقع في الوقت الحالي تعرضت لعوامل تعرية، وأجزاء منها دُمِّرت نتيجة تداخل مياه البحر والإهمال كما يشير حسونة، إلى جانب وضع القمامة بالقرب منها، كما شاهد مُعِدُّ التحقيق ذلك خلال جولة فيها.


فيديو معد التحقيق والمختص بالتنقيب عن الآثار

أمّا موقع "B" الذي اكتُشف فيه سور روماني كبير مُحَصَّن مبنيٌّ من الحجر الرملي طوله  140 متر، وموقع "C" فيه منزل يعود للعصر اليوناني الهلنستي، جدرانه الداخلية مُصَمَّمة بتقْنيّات معمارية حضارية رفيعة تدلُّ على مستوى الرقي المعماري في مدينة غزة خلال تلك الفترة.

بُني فوقهما مركز شرطة الشاطئ عام 2013، وبالقرب منه بنيت امتدادات لمرافق مسجد شهداء الشاطئ وملعب رياضي ما بين 2016 حتى 2019، كما يذكر عالم الآثار والمسؤول عن علم الآثار في مدرسة الكتاب المقدس هومبرت جون بابتيست، ووَفق المُعطَيات الأثرية فإن امتدادات الآثار في الموقع تصل إلى عمق الموقع، لكن لم تستكمل بعد جميع أعمال التنقيب.




صورة الخريطة الرسمية للموقع ونقاط تواجد الآثار المكتشفة

يقول جون باتيست: "لقد نفّذتُ موسم حفريات كاملًا في البلاخية في سبتمبر 2012 من أجل إنقاذ الموقع من مشروع إسكاني ضخم على الفور، وخلال شهر يوليو 2013، أدَرتُ ورشة عمل لتسجيل وثائق الموقع مع فريق من عشرة أشخاص، لقد حفرنا 5% فقط من الموقع وأخرجنا اكتشافات عظيمة".

ويضيف: "لم تستمرّ أعمال التنقيب بعد عام 2013 للأسف، وعلمنا بعدها أن الآثار دُفنت تحت موقع الشرطة ومرافق وملعب المسجد، وحُظِر العمل في المنطقة، وتحوُّلها إلى منطقة أمنية على الرغم من كل المحاولات، ودائرة الآثار في غزة التابعة لحكومة غزة تقوم بعمل جيد لكنها لا تملك سلطة على الأرض، وبهذا أصبحت آثار الموقع في خطر ويجب حمايتها من الاندثار".

بينما يُعلِّق مدير عام الآثار في وزارة السياحة والآثار في غزة جمال أبو ريدة أن كل مكتشفات المواقع الأثرية نُقِلت إلى متحف قصر الباشا الحكومي، وتم تأمين المكان من خلال الكاميرات والحراسات، لكن كلّ التعديات على المواقع الأثرية لا تعطي سلطة لأحد على هذه المواقع، وهي للوزارة فقط.

لكن عندما سأله مُعدُّ التحقيق عن إقامة مركز شرطة فوق الموقع، ردّ أبو ريدة: "هناك قرار من مجلس الوزراء بملكية هذه المواقع، أيّ تعدّيات على أيّ موقع مصيرها الإزالة بصرف النظر عن الجهة المعتدية".

ويُذكَر أنّ كلّ مُكتَشفات المواقع الأثرية تُنقَلُ إلى متحف قصر الباشا الحكومي التابع لوزارة السياحة والآثار، وقد تم تأمين المكان جيّدًا بالكاميرات والحراسات على حد سواء.

تُبيّن خريطة المقارنة التالية الموقع الرسمي للاكتشافات الأثرية فيه و أهم هذه الاكتشافات، باستخدام صورة عن برنامج جوجل إيرث برو، فإن آخر خريطة توضح قطاع غزة لعام 2016، لكن تظهر فيها طبيعة الأماكن التي أُنشئت فوق المواقع الأثرية.



خريطة الاكتشافات الأثرية في الموقع وخريطة الموقع عبر جوجل تبين الانتهاكات بحق الموقع الأثري

تضارب التصريحات

بالعودة الى مارس/آذار عام 2013 أُثيرت قضية إقامة مركز الشرطة في المنطقة وفوق الآثار، لكن حسب مصدر من وزارة الداخلية في غزة رفض الكشف عن اسمه، يوضح أنه على إثر تدمير مركز شرطة الشاطئ من الاحتلال الاسرائيلي خلال الحرب الاولى على غزة عام 2008-2009 نُقل إلى مكان آخر مُؤقَّتًا بقي لسنوات وكان قريبًا من الموقع الحالي.

إذْ لم يجدوا أراضي فارغة في مخيم الشاطئ إلا في المنطقة الشمالية لحدود المخيم، لكنه ينفي معرفته إن كان فيها آثار أم لا في ذاك الوقت، ورفض الإجابة عن الكثير من الأسئلة، لكنه أكد أن وجود الموقع الأمني لم يضر بالآثار أبدًا.

رفض عدد كبير من الذين شاركوا في أعمال التنقيب في الموقع ومصادر أمنية الحديث عن قضية الموقع الأثري، لاعتبار أنّ الملف حسّاس في ظل أنّ غزة تُعاني في قضية المأكل والمشرب بشكل أساسي في الوقت الحالي في ظل الحصار الذي يدخل عامه الرابع عشر.

لكن وزارة السياحة والآثار في غزة نشرت بيانًا بتاريخ 25 من نفس الشهر تحت عنوان: "لن نسمح بالمساس بموقع البلاخية الأثري"، ذكرت فيه أنّها الجهة الوحيدة المسؤولة عن الموقع، وقد عملت على تأهيل الموقع وتنقيبه كاملًا لإظهاره للمواطنين كمعلم تاريخي، وعثرت فيه على آثار مميزة وجدران أثرية، وأرضيات فسيفساء تعود إلى العصر الروماني.


"المخطط الكامل للآثار التي بنيَ فوقها مركز شرطة الشاطئ في غزة"

وبالبحث عن تصريحات المسؤولين، في أبريل/نيسان 2013 من إثارة قضية بناء مركز الشرطة، أورد موقع المونيتور الأمريكي في تقرير عن القضية تصريحًا لوكيل وزارة السياحة والآثار في حكومة غزة في ذلك الوقت محمد خِلّة، يقول فيه: "إن اقامة موقع أمني لن يضرّ بالآثار في الموقع، وإن حكومة غزة لا تملك الأموال لاستكمال أعمال التنقيب فيه، لهذا غُطِّي الآثار بالرمال لحمايته".

يقول أبو ريدة على إثر ذلك: "حال الموقع حاليًّا كباقي المواقع الأثرية، وهو أنّنا في حاجة إلى مشاريع صيانة وترميم خارجية كي تؤدي الوزارة الدور المطلوب منها في حماية جميع المواقع الأثرية، ومنها البلاخية".

ويضيف: "العائق الوحيد أمام الوزارة لاستكمال التنقيب هو ضعف التمويل، وحال توفر التمويل فإن الوزارة لن تتوانى عن عمليات التنقيب أو الصيانة، ونتطلع إلى أن ترميم وصيانة جميع المواقع الأثرية في قطاع غزة، لأنّ الحفاظ على هذه المواقع يدحض الزعم الصهيوني حول رواية أحقّيّته بالأرض".

في المقابل يعتبر حسونة وجود موقع أمني على المنطقة قد أثّر في هوية المكان، وكان من المفترض في السنوات السبع التي يُقام فيها الموقع أن تُكتشَف باقي المنطقة من الآثار، وكانت ستُحدث فَرقًا كبيرًا على واقع وزارة السياحة والآثار في غزة وعلى المصلحة الوطنية.



"مبنى مركز الشرطة فوق هذا المبنى الأثري"


"مرافق المسجد والملعب فوق هذه الآثار"

مخاطر الاندثار

يوضح جون باتيست أن مساعي البعثة الفرنسية للآثار على مدار سنوات عملها كانت تسعى إلى توثيق تاريخ غزة، ويعتبر أنّ تاريخ المدينة أهمّ من الكنوز التي عُثر عليها، ويقول: "هدفنا ثقافي بإنقاذ التراث الثقافي والتاريخي لغزة، وسياسي بحيث تكون فلسطين قوية في مواجهة خصمها الذي يسعى إلى الاستفادة من علم الآثار والتاريخ، العدو لا يريد لغزة تاريخها الخاصّ؛ لأنّ العدوّ يعتبر الفلسطينيين أجانب".

ويُنوّه لقدومه إلى غزة قبل ثلاث سنوات لمحاولة إنقاذ أقدم موقع أثري بقطاع غزة وهو "تل السكن"، وهو موقع فريد من نوعه لفلسطين التاريخية ولبنان والأردن على حدّ تعبيره، لكنّه صُدِم عندما وجد نصفه مُدَمّرًا، وبقي جزء صغير منه صالحًا.

كذلك شاهد مدير عام الإدارة العامة لحماية الآثار في وزارة السياحة والآثار في الضفة الغربية صالح طوافشة الجرافات تجرف موقع تل السكن التراثي لتمهيد إنشاء مساكن عندما زار غزة عام 2017، وأوقف أعمال التجريف وطلب من الوزارة في غزة وقف الأعمال.

يشير إلى أنّ عدم إتمام اتفاقية المصالحة عطّل عملهم لتوحيد جسم الوزارة وأداء مُهِمّاتهم في غزة ضمن خطّة عقب اتفاقية المصالحة في أكتوبر 2017، ويرفُض أن تخضع المواقع الأثرية ليد أيّ قوة عسكرية، ويُعلّق بأنّ قوات الأمن تحمي المواقع الأثرية ولا تسيطر عليها.

يقول طوافشة: "مشكلة غزة الحصار الإسرائيلي، نتطلّع إلى تحقيق المصالحة الفلسطينية لتوحيد الجسم الوزاري، والبدء مباشرة بعمليات تأهيل المواقع من جديد وحمايتها، وهناك خطة مشاريع بالتعاون مع منظمات دولية وفرنسية نُعِدُّ لها، وستكون المواقع الأثرية في غزة ضمن خطط المشاريع".


آثار يونانية "هلستينيةفي الموقع الغربي من الموقع الأثري المقابل لشاطئ البحر

جيل مغيب وأمل الحديقة الأثرية

وزّع مُعِدُّ التحقيق استبانةً شملت عينة من 79 شخصًا تتراوح أعمارهم ما بين 18 و 32 عامًا، وجد أن 59 منهم لا يعرفون شيئًا عن موقع البلاخية الأثري، و16 آخرين يعرفون الموقع كاسم "أي سمعوا بالمنطقة لأنّ لهم أصدقاء وأقارب في مخيم الشاطئ لكنهم لا يعرفون ما فيه، ويعتقدون أنّها منطقة وليست موقعًا أثريًّا" و9 فقط يعرفون أن الموقع ذو أهمية أثرية.

وبالسؤال عن المعالم الأثرية التي يعرفونها في غزة، أجاب جميعهم قصر الباشا والمسجد العمري الواقعان وسط مدينة غزة، في المقابل أجاب 20 منهم فقط ذاكرين مواقع أخرى مثل تل أم عامر وسط قطاع غزة وتلة زعرب جنوب قطاع غزة وقلعة برقوق، ومعظمهم يتذكرونها خلال الرحلات المدرسية.

لا يستبعد حسونة وجون باتيست صعوبة عمل حديقة وطنية أثرية بعد نقل الموقع الأمني وإعادة أعمال التنقيب، مع بقاء المسجد دون الملعب والمَرافق التي بُنيت على الآثار وتوسيع شارع البحر وإزالة بعض  المنازل, التي ستُزال لإكمال مخطط شارع البحر الذي أُقرّ منذ سنوات في بلدية غزة، وإنشاء جسر فوق الموقع الذي اكتشفت فيها الآثار لعمل توسعة واستكمال أعمال التنقيب تحته.

في ظل أن البعثة الفرنسية ووزارة السياحة والآثار في عهد السلطة الفلسطينية في غزة حصلوا على موافقة السلطة لإقامة حديقة وطنية فوق موقع البلاخية عام 2005، لكن جون باتيست يقول إنّ حكومة غزة عام 2007 لم تعترفْ بقرار السلطة.

"الآثار الكنعانية المكتشفة في الموقع"









المصدر

غزة - وكالة خبر الفلسطينية للصحافة 

- تحقيق: أمجد ياغي


للمقال الأصلي يرجى زيارة الرابط التالي: https://bit.ly/37oVXI7